السيد الطباطبائي
53
رسالة الولاية
يؤمن بأنّ للّه عرشا يصدر عنه أحكام خلقه ، ويجريه عمال ملائكته في السماوات والأرض ، وهي ملكه ، وأولوا العقل من الخلق رعيّته ، وهم هذه الأبدان المحسوسة ، كلّفهم بتكاليف ما دارت الدنيا على الاختيار ، ثمّ يميت اللّه الخلق ، ويعد مهم بعد الوجود . ثم يأتي على الدنيا وهي خربة يوم يحيى اللّه فيه الخلق ، ويجمعهم ليوم الجمع ، ثم يجزى الصالحين بجنة ما فيها غير مشتهى النفس ، وهي البدان الدنيوي ؛ والظالمين بنار ما فيها غير اللهب والشرر . كلّ ذلك على نسق ما يتّخذه الملك منا من لوازم الأبّهة والعزّة وإجراء الحكم ومجازاة الرعية وسياسة الملك ، لا شئ أرفع من ذلك . فهذه طبقة ، وذلك مقامهم في العمل والعلم . وإذا فرضنا واحدا من الزاهدين والعابدين ، وهم الناظرون بنظر الاعتبار إلى فناء الدنيا وزخارفها وغرورها ونفادها ، وبقاء ما عند اللّه سبحانه ، المستعدّون للزهد والعبادة ، سمع داعى الحقّ يدعوه إلى الانسلال من أكاذيب مشتهيات الدنيا ، والإقبال إلى عبادة اللّه ، لتحصيل النجاة من أليم العذاب والفوز بنعمة لا تفنى ، وملك لا يبلى ؛ تمكّنت خشية اللّه في قلبه ، وصار الموت نصب عينه . فأخرجت حبّ الدنيا وهمّ المعاش من قلبه ، ولم يكن له همّ إلّا الزهد عن الدنيا ، أو صالح العمل للّه طمعا في مرضاته . فيهذّب صفات نفسه ، ويصلح جهات عمله ، ويتّقى ما يسخط اللّه سبحانه فيما يستقبله . كلّ ذلك طمعا في نعيم مخلّد ، وحذرا من عذاب سرمد . ولو أجدت التأمّل في حاله ، وما يريده في مجاهدته ، وجدته لا يريد إلّا مشتهى نفسه . فهو يحبّ نفسه لما سمع من الحقّ انّها خلقت للبقاء لا للفناء ، فيحبّها ، ويحبّ مشتهاها ، ويزهد في الدنيا لما يرى من فنائها وزوالها .